ابن أبي الحديد
169
شرح نهج البلاغة
العوض لم يجز أن يقال : إن العوض يحط السيئات بنفسه ، لا على قول أصحابنا ، ولا على قول الإمامية ، أما الامامية فإنهم مرجئة ، لا يذهبون إلى التحابط ، وأما أصحابنا فإنهم لا تحابط عندهم إلا في الثواب والعقاب ، فأما العقاب ، والعوض فلا تحابط بينهما ، لان التحابط بين الثواب والعقاب ، إنما كان باعتبار التنافي بينهما من حيث كان أحدهما يتضمن الاجلال والاعظام ، والاخر يتضمن الاستخفاف والإهانة ، ومحال أن يكون الانسان الواحد مهانا معظما في حال واحدة ولما كان العوض لا يتضمن إجلالا وإعظاما ، وإنما هو نفع خالص فقط ، لم يكن منافيا للعقاب ، وجاز أن يجتمع للانسان الواحد في الوقت الواحد كونه مستحقا للعقاب والعوض ، أما بأن يوفر العوض عليه في دار الدنيا ، وإما بأن يوصل إليه في الآخرة قبل عقابه إن لم يمنع الاجماع من ذلك في حق الكافر ، وأما أن يخفف عليه بعض عقابه ، ويجعل ذلك بدلا من العوض الذي كان سبيله أن يوصل إليه ، وإذا ثبت ذلك وجب أن يجعل كلام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على تأويل صحيح ، وهو الذي إرادة ( عليه السلام ) ، لأنه كان أعرف الناس بهذه المعاني ، ومنه تعلم المتكلمون علم الكلام ، وهو أن المرض والألم يحط الله تعالى عن الانسان المبتلى به ما يستحقه من العقاب على معاصيه السالفة تفضلا منة سبحانه ، فلما كان إسقاط العقاب متعقبا للمرض ، وواقعا بعدة بلا فصل ، جاز أن يطلق اللفظ بأن المرض يحط السيئات ويحتها حت الورق ، كما جاز أن يطلق اللفظ بأن الجماع يحبل المرأة ، وبان سقى البذر الماء ينبته ، إن كان الولد والزرع عند المتكلمين وقعا من الله تعالى على سبيل الاختيار ، لا على الايجاب ، ولكنه أجرى العادة ، وأن يفعل ذلك عقيب الجماع وعقيب سقى البذر الماء . فإن قلت : أيجوز أن يقال : إن الله تعالى يمرض الانسان المستحق للعقاب ، ويكون إنما أمرضه ليسقط عنة العقاب لا غير ؟ .
--> ( 1 ) ا : " يحط عنه السيئات " .